محمد أبو زهرة
1431
زهرة التفاسير
الغم ، ولم تفكروا في إعادة الوثبة ، ولذلك كان قوله تعالى : وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ متضمنا تأكيد الرؤية ومصورا لها ، ومتضمنا مع ذلك العتب أو اللوم ؛ لأن حالهم لم تكن متفقة مع ما كانوا يتوقعونه من قبل ، إذ إن حالهم من بعد انتهاء الموقعة تفيد أنهم كانوا يريدون النصر رخاء سهلا من غير عقبة تحول يجب تذليلها ، ومن غير شدة عنيفة يجب الصبر عليها . ولقد حدث في أثناء الموقعة أن زاغت الأبصار ، فظن بعض المجاهدين أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قتل ، فاضطربت عزائم ، واسترخت همم ، واستضعف أقوياء ، وقد لامهم اللّه تعالى على ذلك أشد اللوم ، وكأنما كان الظن الذي غلبهم ليبين اللّه لهم حقيقة غابت عنهم ، وهي أن محمدا بشر كالبشر ، يموت كما يموتون ، ويحيا كما يحيون ، ولذا قال سبحانه : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ . تقرير لحقيقة ثابتة وأمر واقع ، وهو أن محمدا بشر من البشر ، وأنه يموت كما يموت سائر البشر ، وقد قرر هذه الحقيقة ومعها دليلها ، وذلك ببيان حقيقتين كل واحدة منهما تصلح مقدمة في دليل لإثبات أنه ميت لا محالة كما قال تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ( 30 ) [ الزمر ] . الحقيقة الأولى أو المقدمة الأولى : أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم رسول فقط فليس أكبر من رسول ، ولذا قال تعالى : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ أي ليس له صفة تميزه على الناس إلا الرسالة ، والحقيقة الثانية : أن الرسالة لا تقتضى البقاء ، فقد مضى رسل من قبله وماتوا ، وقد قررها سبحانه بقوله : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ . ومن مجموع الحقيقتين يثبت أن محمدا سيموت ؛ لأنه إذا كان ليس إلا رسولا ، والرسل من قبله قد ماتوا ، فهو سيموت لا محالة . وإذا كان محمد سيموت لا محالة فإن رسالته لا تموت من بعده ، ولا يصح أن ينقلب المؤمنون من بعده ، بل عليهم أن يحملوا العبء من بعده ، وقد بلغ